تجاوزت الجامعات الحديثة مفهومها التقليدي كمجرد قاعات للمحاضرات ومكتبات؛ فقد تحولت بعض المؤسسات الأكاديمية إلى “مدن مصغرة” قائمة بحد ذاتها. تتنافس هذه المؤسسات ليس فقط في التصنيفات الأكاديمية وجودة الأبحاث، بل في حجم الرقعة الجغرافية التي تشغلها، والمرافق التي توفرها.
عند البحث عن أكبر جامعات العالم، يجب التمييز بوضوح بين معيارين: الكثافة الطلابية (عدد الطلاب) والمساحة الجغرافية. يركز هذا المقال حصرياً على العمالقة من حيث المساحة الأرضية، حيث تبرز أسماء قد لا تكون الأكبر عدداً، لكنها تمتلك أراضٍ تفوق مساحة بعض الدول الجزرية الصغيرة.
الحرم المتصل مقابل ممتلكات الأراضي
لفهم الترتيب العالمي بشكل صحيح، يجب التمييز بين نوعين أساسيين من حيازة الأراضي الجامعية، حيث يغير هذا التصنيف هوية “الفائز” باللقب:
الحرم الجامعي المتصل (Contiguous Campus):
هي قطعة الأرض الواحدة المتصلة جغرافياً ببعضها البعض دون انقطاع، والتي تضم المباني الدراسية، السكن، والمرافق داخل سور أو نطاق واحد. في هذا التصنيف، تتصدر كلية بيري و جامعة الملك سعود المشهد العالمي.
ممتلكات الأراضي (Land Holdings):
تمتلك بعض الجامعات مساحات شاسعة جداً لكنها متناثرة في مناطق أو مدن مختلفة (مثل جامعة كاليفورنيا أو جامعة تكساس إيه آند إم). هذه المساحات تُحسب كأصول عقارية ولا تُعامل عادة كحرم جامعي واحد في المقارنات المعمارية القياسية.
الجامعة المدينة (النموذج الأوروبي):
في جامعات مثل أكسفورد أو السوربون، تندمج مباني الجامعة مع نسيج المدينة وشوارعها العامة ولا يوجد حرم مغلق، مما يجعل حساب مساحتها الجغرافية أمراً معقداً ومختلفاً عن النموذج الأمريكي أو العربي القائم على “المدينة الجامعية المستقلة”.
أكبر جامعات العالم من حيث المساحة
عند تطبيق معيار “الحرم الجامعي المتصل”، ينحصر اللقب العالمي بين نموذجين متناقضين تماماً: نموذج المحمية الطبيعية في أمريكا، ونموذج المدينة الحضرية الشاملة في السعودية.
كلية بيري (Berry College) – الولايات المتحدة
اللقب: أكبر حرم جامعي متصل في العالم (من حيث الأرض الخام).
- المساحة الإجمالية: تمتد على مساحة تناهز 109 كيلومترات مربعة (حوالي 27,000 فدان).
- الطبيعة الجغرافية: الغالبية العظمى من هذه المساحة ليست مبانٍ، بل هي محمية طبيعية مفتوحة تضم غابات، جبالاً، وبحيرات.
- الاستخدام: تُستغل هذه المساحة الشاسعة في الأنشطة الخارجية، مسارات ركوب الدراجات والمشي، وتوفر بيئة بيئية بكر للطلاب، مما يجعلها حرماً يغلب عليه الطابع “الريفي البري” أكثر من الطابع الأكاديمي الحضري.
جامعة الملك سعود – المملكة العربية السعودية
اللقب: أكبر مجمع أكاديمي وحضري متكامل في العالم.
- المساحة الإجمالية: خُصصت لها مساحة تقدر بـ 90 كيلومتر مربع (حوالي 22,239 فدان)، وتشمل الحرم الجامعي، مشاريع الأوقاف، والتوسعات المستقبلية.
- الطبيعة الجغرافية: تختلف عن “بيري” بأنها “مدينة خرسانية وحضارية” متكاملة وسط الصحراء. المساحة هنا مستغلة بكثافة عمرانية عالية تضم كليات، مستشفيات جامعية، أحياء سكنية، ملاعب، ومراكز تجارية.
- الاستخدام: تمثل مركز ثقل اقتصادي ومعرفي في الرياض، وتعد مثالاً حديثاً لتوظيف المساحات الشاسعة لخدمة المجتمع الأكاديمي والعمراني في آن واحد.
ترتيب أكبر الجامعات في العالم من حيث المساحة
يوضح الجدول التالي أبرز الجامعات التي تمتلك أضخم مساحات متصلة (Contiguous Campus) حول العالم، مع استبعاد الجامعات ذات الأراضي المتناثرة:
| الجامعة | الدولة | المساحة (كم²) | المساحة (فدان) | الميزة الرئيسية |
| كلية بيري (Berry College) | الولايات المتحدة 🇺🇸 | 109 كم² | 27,000 | أكبر حرم متصل، يضم غابات ومحميات طبيعية. |
| جامعة الملك سعود | السعودية 🇸🇦 | 90 كم² | 22,240 | أكبر مدينة جامعية شاملة (مبانٍ، سكن، مستشفيات). |
| أكاديمية القوات الجوية | الولايات المتحدة 🇺🇸 | 75 كم² | 18,500 | حرم عسكري يضم مطاراً ومناطق تدريب واسعة. |
| جامعة الجنوب (Sewanee) | الولايات المتحدة 🇺🇸 | 52 كم² | 13,000 | تُعرف بـ “The Domain”، وتُدار كمدينة وسط الغابات. |
| جامعة ديوك (Duke) | الولايات المتحدة 🇺🇸 | 35 كم² | 8,600 | تشتهر بـ “غابة ديوك” المخصصة للأبحاث البيئية. |
| جامعة ستانفورد | الولايات المتحدة 🇺🇸 | 33 كم² | 8,180 | تقع في وادي السيليكون، وتضم مرافق بحثية وسكنية فارهة. |
| جامعة تكساس A&M | الولايات المتحدة 🇺🇸 | 21 كم² | 5,200 | الحرم الرئيسي فقط (Main Campus)، يضم مطاراً ومرافق ضخمة. |
تتميز الجامعات في العالم العربي، وتحديداً في دول الخليج ومصر، بنمط معماري يميل إلى إنشاء “مدن جامعية” (Mega-Universities) بدلاً من الكليات المتفرقة. يعود هذا التوجه إلى توفر المساحات الصحراوية الشاسعة، والرغبة في خلق بيئة تعليمية واجتماعية مكتفية ذاتياً ومعزولة عن صخب المدن الكبرى.
أبرز الجامعات العربية من حيث المساحة
جامعة الملك سعود:
تتصدر القائمة عربياً وإسلامياً. لا تقتصر مساحتها الهائلة (90 كم²) على القاعات الدراسية، بل تعمل كمحرك اقتصادي بضمها “وادي الرياض للتقنية”، واستاداً رياضياً بمواصفات دولية (مرسول بارك)، وحياً سكنياً ضخماً لأعضاء هيئة التدريس، مما يجعلها مدينة مصغرة داخل العاصمة الرياض.
جامعة الوادي الجديد في مصر:
تعد حالة خاصة من حيث “تخصيص الأراضي”. تقع في الصحراء الغربية، وقد خُصصت لها مساحات حكومية شاسعة تصل لآلاف الأفدنة لتكون نواة لتنمية المنطقة عمرانياً وزراعياً. ورغم أن الكتلة المبنية الحالية لا تغطي كامل هذه المساحة، إلا أن الأراضي التابعة لها تجعلها من الأكبر إدارياً، وتضم مزارع بحثية وكليات عملية واسعة النطاق.
جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية:
نموذج عالمي للمدينة البحثية المغلقة. تقع في ثول على ساحل البحر الأحمر، وتمتد على مساحة 36 كيلومتراً مربعاً. تضم الجامعة حرماً أكاديمياً، ومناطق سكنية فاخرة، ومراسي لليخوت، ومراكز أبحاث بحرية، وهي مصممة لتكون مجتمعاً دولياً متكاملاً يعيش ويعمل داخل الأسوار.
جامعة الإمارات العربية المتحدة:
تقع في مدينة العين، وتمتد على مساحة تبلغ حوالي 80 هكتاراً للحرم الجديد المتصل. صُممت بنظام معماري حديث يدمج بين التراث الإسلامي واحتياجات “الجامعة الذكية”، وتعد الأكبر مساحةً وتجهيزاً في دولة الإمارات، حيث تضم مناطق سكنية وترفيهية وتعليمية مترابطة تقنياً.
أكبر جامعة نسائية في العالم
تستحق هذه المؤسسة تصنيفاً منفرداً لكونها الأضخم عالمياً في فئتها، ولأنها صُممت وبُنيت دفعة واحدة لتكون أيقونة معمارية، وليست مجرد توسعات تدريجية.
جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن في الرياض
- أكبر جامعة مخصصة للنساء في العالم.
- تمتد على مساحة 8 ملايين متر مربع (800 هكتار/ 8 كم²).
- تمتلك الجامعة شبكة قطارات داخلية خاصة ومحطات مكيفة لنقل الطالبات بين الكليات والمرافق في دقائق معدودة.
- تضم مستشفى الملك عبد الله الجامعي بسعة سريرية ضخمة وتجهيزات طبية متقدمة.
- تحتوي على نادٍ رياضي ضخم ومسابح أولمبية وملاعب مغلقة، مما يجعلها بيئة صحية متكاملة لقرابة 60 ألف طالبة.
البنية التحتية للمدن الجامعية العملاقة
لا تقاس عظمة هذه الجامعات بامتلاك الأرض فحسب، بل بكيفية تحويل الصحراء أو الغابات إلى بنية تحتية تضاهي المدن المستقلة. تتشابه الجامعات العملاقة (مثل بيري، ستانفورد، والملك سعود) في توفير مرافق لا تجدها في الجامعات التقليدية المزدحمة:
- بسبب استحالة التنقل مشياً بين الكليات، تدير هذه الجامعات شبكات مواصلات خاصة.
- يتراوح ذلك بين الحافلات الترددية السريعة (Shuttle Buses) في جامعة الملك سعود وتكساس A&M، إلى شبكات القطارات الآلية المعلقة في جامعة الأميرة نورة.
- تتجاوز فكرة “سكن الطلاب” التقليدي؛ إذ توفر هذه الجامعات مجمعات فيلات وشقق سكنية متكاملة لأعضاء هيئة التدريس وعائلاتهم، مع توفير مدارس للأطفال، ومراكز تسوق، وخدمات بريدية، مما يخلق “مجتمعاً مغلقاً” (Gated Community) يتوفر فيه كل شيء.
- تستغل الجامعات الكبيرة فائض المساحة لإنشاء مناطق استثمارية. مثال على ذلك “وادي السيليكون” الذي نشأ حول جامعة ستانفورد، و”وادي الرياض للتقنية” في جامعة الملك سعود، حيث تُمنح الشركات العالمية أراضٍ داخل الحرم الجامعي لبناء مراكز بحثية، مما يربط التعليم بسوق العمل مباشرة.
- المساحة الشاسعة تسمح بوجود ملاعب جولف كاملة (كما في جامعة بيري)، وميادين للفروسية، وملاعب كرة قدم بمواصفات “فيفا”، ومطارات خاصة لتدريب الطيارين (كما في جامعة تكساس A&M وأكاديمية الطيران الأمريكية)، وهي رفاهية لا تملكها جامعات المدن المكتظة.
لماذا تختلف أوروبا عن البقية؟
يختلف مفهوم “الحرم الجامعي” جذرياً باختلاف القارات والثقافات العمرانية، مما يجعل المقارنة المباشرة بالأرقام أحياناً غير عادلة دون فهم السياق.
- النموذج الأوروبي (الجامعة المندمجة): في مدن مثل أكسفورد، كامبريدج، هايدلبرغ، أو باريس، لا يوجد حرم جامعي مسوّر. الجامعة والمدينة كيان واحد متداخل؛ فقد تجد كلية الحقوق في مبنى أثري وسط السوق، والمختبرات في حي آخر. هذا النموذج يجعل مساحة الجامعة “الجغرافية” صغيرة جداً أو غير قابلة للقياس ككتلة واحدة، رغم ضخامة وتأثير هذه المؤسسات.
- النموذج الأفريقي: تضم القارة نماذج ضخمة تشبه النموذج الأمريكي نظراً لتوفر الأراضي الزراعية. أبرزها جامعة أحمدو بيلو (Ahmadu Bello University) في نيجيريا، التي تمتد أراضيها على مساحة تقدر بـ 7,000 هكتار، مستغلة هذه المساحة الشاسعة بشكل أساسي للأبحاث الزراعية والبيطرية التي تخدم اقتصاد المنطقة.
- النموذج اللاتيني: تبرز الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك (UNAM) كحالة فريدة، حيث صمم حرمها الجامعي ليكون “مدينة داخل مدينة” مكسيكو سيتي، وتم إدراجه ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، مما يجعله عملاقاً ثقافياً وعمرانيًا في أمريكا اللاتينية.
هل المساحة الأكبر تعني تعليماً أفضل؟
سؤال يتردد كثيراً عند استعراض هذه الأرقام الضخمة: هل جودة التعليم مرتبطة بحجم الأرض؟ الإجابة تتطلب تفكيك العلاقة بين “الرفاهية” و”الأكاديمية”:
- ما تمنحه المساحة (الإمكانيات اللوجستية): المساحات الشاسعة ضرورة حتمية لبعض التخصصات وليست مجرد رفاهية. الجامعات المتخصصة في الزراعة، الطيران، والعلوم النووية تحتاج آلاف الأفدنة لإقامة حقول تجارب، مهابط طائرات، أو مفاعلات بحثية (كما في جامعة الملك سعود وتكساس A&M). هذه المرافق يستحيل بناؤها في جامعات المدن المزدحمة.
- ما لا تضمنه المساحة (التصنيف الأكاديمي): عند النظر إلى “العشرة الأوائل” في التصنيفات العالمية (مثل MIT، هارفارد، وكاليفورنيا للتقنية)، نجد أن أحرامهم الجامعية متواضعة جداً ومكتظة عمرانياً. القوة الأكاديمية تعتمد أساساً على العنصر البشري (نخبة العلماء)، وحجم الوقف المالي للأبحاث، وليس على مساحة الأرض.
- الخلاصة: المساحة الشاسعة ميزة تتيح “جودة حياة” وتوسعاً بحثياً في مجالات تطبيقية محددة، لكنها ليست شرطاً للتميز الأكاديمي النظري.
أسئلة شائعة
إجابات دقيقة ومختصرة لأكثر الأسئلة تداولاً حول أحجام الجامعات:
- ما هي أكبر جامعة في العالم من حيث مساحة الأرض المتصلة؟ كلية بيري (Berry College) في جورجيا، الولايات المتحدة (109 كم²)، وهي في معظمها محمية طبيعية.
- ما هي الجامعة التي تمتلك أكبر مدينة جامعية مبنية في العالم؟ جامعة الملك سعود في الرياض، بمساحة مخصصة تصل إلى 90 كم²، وتتميز بكثافة عمرانية وخدمية تفوق نظيراتها.
- هل جامعة هارفارد هي الأكبر مساحة؟ لا. جامعة هارفارد هي الأغنى والأشهر، لكن حرمها في مدينة كامبريدج صغير ومزدحم جداً مقارنة بالجامعات المذكورة أعلاه.
- كم تعادل مساحة هذه الجامعات على أرض الواقع؟ لتقريب الصورة: مساحة كلية بيري أو جامعة الملك سعود تفوق مساحة دول كاملة مثل سان مارينو (61 كم²) أو موناكو (2 كم²).
الخاتمة
يظل لقب “أكبر جامعة في العالم” مسألة تعتمد على الزاوية التي ننظر منها. إذا كان المعيار هو الطبيعة البكر والمساحات الخضراء اللامتناهية التي تحيط بالطالب، فإن كلية بيري الأمريكية هي البطل بلا منازع. أما إذا كان البحث عن العمران الضخم والمدينة الأكاديمية التي تنبض بالحياة كقلب حضري متكامل، فإن جامعة الملك سعود تقف كشاهد حضاري عملاق لا يضاهى.
في كلتا الحالتين، تؤكد هذه الصروح أن التعليم الجامعي لم يعد مجرد فصل دراسي، بل هو “تجربة معيشية” متكاملة تتطلب فضاءً رحباً للإبداع، البحث، والحياة.